الذكاء الاصطناعي والإباء الامتناعي: الأستاذة هناء الجهران تحلل وعي الإنسان في زمن الآلة
بقلم: هناء محمد جوهر الجهران (ماجستير في القيادة التربوية، مديرة مدرسة حكومية، باحثة دكتوراه في الجامعة الأردنية- عمّان)
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة أو ترفٍ علمي يسعى الإنسان إلى امتلاكه، بل غدا منظومة فكرية وتقنية تفرض حضورها في كل مجال من مجالات الحياة؛ من التعليم والإدارة إلى الطب والإعلام، ومن تحليل البيانات إلى صياغة القرار. إنه الذكاء الذي يتعلم من أخطائه، ويطوّر أداءه باستمرار، حتى صار أقدر من الإنسان في مجالات محددة على التحليل والتنبؤ والابتكار.
ومع ذلك، فإن ما يميّزه عن العقل البشري هو ما ينقصه في الوقت ذاته: الوعي القيمي والضمير الأخلاقي. فالآلة، مهما بلغت براعتها، تظل بلا روح ولا مقصد، تعمل في حدود ما يملى عليها. وتنفّذ بدقة حسابية، لكنها لا “تفهم” الخير، ولا “تدرك” الصواب. وهنا تبدأ إشكالية العلاقة بين الإنسان وصنيعة فكره؛ علاقة تتأرجح بين الإعجاب والقلق، بين السيطرة والخضوع، وبين الذكاء والإباء.
الذكاء الاصطناعي: عقلٌ بلا ضمير
لقد أدهشنا الذكاء الاصطناعي بما قدّمه من إنجازات غير مسبوقة، فأصبح الطبيب الذي يشخّص بدقة، والمترجم الذي لا يخطئ، والمعلّم الذي لا يكلّ. لكنه في جوهره يظل عقلًا رقميًا، يخلو من المعنى الإنساني، ولا يملك حسًّا أخلاقيًا يحكم فعله.
إنه “ذكاء بلا وعي”، ينتج ما يطلب منه، دون أن يتساءل عن الأثر أو الغاية. وهذا ما يجعل من الضروري أن يبقى الإنسان هو الحاكم لا المحكوم، الموجِّه لا الموجَّه. فالذكاء الاصطناعي قد يوفّر الكفاءة، لكنه لا يستطيع أن يضمن العدالة، وقد يحسن التنبؤ، لكنه لا يملك التعاطف. إن أخطر ما قد يواجه البشرية هو أن تنبهر بذكاء الآلة إلى حدّ نسيان ذكائها الإنساني.
الإباء الامتناعي: الوعي الذي يرفض التبعية
في خضم هذا الانبهار، يولد مفهوم “الإباء الامتناعي” كحالة وعي أخلاقي وفكري تدفع الإنسان إلى التريّث، وإلى مقاومة الإغراء بالاعتماد الكلي على الآلة. فالإباء هنا ليس امتناعًا عن التقدّم، بل قدرة على التمييز بين ما يجب أن يفوَّض للتقنية، وما يجب أن يبقى قرارًا إنسانيًا خالصًا.
إن الإباء الامتناعي هو موقف فكري راقٍ يضع حدودًا واضحة بين الاستخدام الواعي والاستخدام الانقيادي. فكلما زادت سرعة العالم الرقمي، احتاج الإنسان إلى لحظة توقف ليتأمل: هل ما أفعله هو خيار نابع من إرادتي، أم مجرد استجابة لاقتراح خوارزمية ذكية صممت لتوجّهني دون أن أشعر؟
الضبط الأخلاقي: بوصلــة لا بد منها
إن الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يفتح من آفاق، يحمل في طياته تحديات أخلاقية عميقة تتعلق بالخصوصية والعدالة والشفافية. فليس الذكاء في ذاته خطرًا، بل في طريقة استخدامه وتوجيهه. ولذا، فإن بناء منظومة أخلاقية شاملة تحكم توظيفه لم يعد ترفًا، بل ضرورة لحماية الإنسان من تحوّل التقنية إلى سلطة خفية تتجاوز وعيه.
فالآلة لا تعرف معنى العدالة الاجتماعية، ولا تفهم التوازن النفسي، ولا تعي احتياجات الروح. لذلك يبقى على الإنسان أن يكون الحارس الأخير للمعنى، وألا يترك مصير القيم الإنسانية رهينة لمعادلات برمجية مهما بلغت دقتها.
المؤسسات التربوية: بناء وعي قبل بناء مهارة
وتتحمّل المؤسسات التربوية، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والجامعة، مسؤولية كبرى في بناء وعي الأجيال تجاه الذكاء الاصطناعي. فالتربية ليست مجرد تزويد الطلبة بمهارات رقمية، بل إعدادهم ليميزوا بين المعرفة والمعلومة، وبين التفكير والبرمجة.
على الأسرة أن تزرع في أبنائها قيمة التفكير النقدي قبل الانبهار بالتطبيقات الذكية، وعلى المدرسة أن توجّه التعليم نحو الفهم لا الحفظ، وعلى الجامعة أن تؤسس للمسؤولية الأخلاقية قبل المهارة التقنية.
فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى مبرمجين ومطوّرين، بل إلى بشر يملكون وعيًا إنسانيًا يجعلهم يعرفون متى يستخدمون التقنية، ومتى يمتنعون عنها. وإن وعي الأفراد لا يبنى فقط داخل المؤسسات التعليمية. بل تشارك في ترسيخه مؤسسات المجتمع المدني، والإعلام، والمراكز الثقافية، والمنظمات التطوعية. فهذه الجهات تمتلك القدرة على توجيه الرأي العام، وتسليط الضوء على أهمية حماية الخصوصية والكرامة الإنسانية في فضاء رقمي مفتوح.
خاتمة: وعي يصون الإنسان
يبقى الذكاء الاصطناعي إنجازًا عظيمًا للعقل البشري، لكنه اختبار حقيقي لوعيه. فالمشكلة ليست في الذكاء، بل في غياب الإباء. فحين يمتلك الإنسان الإباء الامتناعي، يصبح قادرًا على أن يقول “نعم” للتقدم، و”لا” للتبعية. حينها يستطيع أن يقود التقنية بضمير، لا أن تسيّره هي ببرمجتها. فالإباء الفكري والأخلاقي هو ذروة الذكاء. وهو السلاح الحقيقي الذي يحمي وعينا في زمن الآلة. ويضمن بقاء الإنسان سيد القرار والاتجاه.





